أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
123
نثر الدر في المحاضرات
ولا حاملها على المكروه من طاعة ربّها ، قد بلوت نفسي في السراء والضراء ، فلم أجد لها كثير شكر عند الرّجاء ، ولا كبير صبر عند البلاء ولو أنّ الرحل لم يعظ أخاه حتّى يحكم أمر نفسه ، ويكمل في الذي خلق له من طاعة ربّه ، لقلّ الواعظون الساعون إلى اللّه بالحثّ على طاعته ، ولكن في اجتماع الإخوان واستماع حديث بعضهم من بعض حياة للقلوب ، وتذكير من النّسيان ، أيها الناس إنما الدنيا دار من لا دار له ، وبها يفرح من لا عقل له ، فأنزلوها منزلتها . ثم أمسك . ولمّا مات أخوه بكى ، فقيل له : أتبكي يا أبا سعيد ؟ فقال : الحمد للّه الذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب . وقال : إذا خرجت من منزلك فلقيت من هو أسنّ منك فقل : هذا خير منّي عبد اللّه قبلي ، وإذا لقيت من هو دونك في السّنّ فقل : هذا خير منّي عصيت اللّه قبله ، وإذا لقيت من هو مثلك فقل : هذا خير منّي أعرف من نفسي ما لا أعرف منه . وكان يقول : يا عجبا لقوم قد أمروا بالزاد ، وأذنوا بالرّحيل ، وأقام أوّلهم على آخرهم ، فليت شعري ما الذي ينتظرون ؟ ونظر إلى النّاس في مصلّى البصرة يضحكون ، ويلعبون في يوم عيد ، فقال : إنّ اللّه - عزّ وجل - جعل الصّوم مضمارا لعباده ليستبقوا إلى طاعته ، ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب ، أو ترطيل شعر : وكان يقول : اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها . وقال : تلقى أحدهم أبيض بضّا يملخ في الباطل ملخا ؛ ينفض مذرويه ، ويضرب أصدريه ، يقول ها أنذا فاعرفوني . قد عرفناك ، فمقتك اللّه ومقتك الصّالحون . وقال : نعم اللّه أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه ، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا عنه . وكان يقول : ليس العجب ممّن عطب كيف عطب ؟ إنما العجب ممّن نجا كيف نجا ؟